|
أبو إسحاق الحويني حجازي
محمد شريف يروي قصة هدايته إلى العقيدة السلفية
إن الحمد لله نحمده
، ونستعين به ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالي من شرور أنفسنا
، و سيئات أعمالنا ، من يهد الله تعالي ، فلا مضل له ، ومن
يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
} [ آل عمران : 102].
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء
وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ
وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [
النساء : 1] .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً} [ الأحزاب :
70، 71 ]
أما بعـــــد
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى ، وأحسن الهدي هدي محمد
صلى الله عليه وسلم ، وشرالأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة
، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل
إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى
آل محمد ، كما باركت على إباهيم وعلى آل إبراهيم ، في
العالمين إنك حميد مجيد.
(( فالحمد لله الذي لا يؤدَّى شكر نعمةٍ من نعمه، إلا
بنعمة منه توجب على مؤدى ماضى نعمه بأدائها : نعمةً حادثة
يجبعليه شكره بها ، ولا يبلغ الواصفون كُنه َ عظمته ، الذي
هو كما وصف نفسه ، وفوق ما يصفُهُ به خلقُهُ ، أحمده حمدا
كما ينبغي لكرم وجهه عزَّ وجلَّ ، وأستعينه استعانة من لا
حول له ولا قوة إلا به ، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من
أنعم به عليه ، وأستغفره لما أزولفت وأخرت ، استغفار من
يُقرُّ بعبوديته ، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ، ولا ينجيه منه
إلا هو ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن
محمد عبده و رسوله .
فنسأل الله المبتدئَ لنا بنعمة قبل استحقاقها ، المديمها
علينا مع تقصيرنا في الإتيان عليما أوجب به من شكره بها ،
الجاعلنا في خير أمة أخرجت للناس ، أن يرزقنا فهما في
كتابه ، ثم سنة نبيه ، وقولا وعملا يؤدي به عنا حقه ،
ويوجب لنا نافلة مزيدة )) (1) .
فإن الله – جل ثناؤه – لما خلق الناس ، ركز في فطرهم محبة
الإحسان ، والخضوع له ، كرِهَ لهم الكبر والعلو في الأرض
بغير الحق .
فقال جل ثناؤه : { هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا
الْإِحْسَانُ } [ الرحمن : 60 ] .
يعني لا ينبغى أن يكون الإحسان إلا من حنسه ، فليس لمن
أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه غي الآخرة .
و ما أجمل فول القائل : ليس هناك حمل أثقل من البر ، من
برًكَ فقد اوثقك ، ومن جفاك فقد أطلقك . فإن أردت إسترقاق
إنسان ، فأحسن إليه ، فيكون ذلك مانعا إياه أن يوصل السيئة
إليك .
ومما يدلُّك علي صحة ما أقول من أن محبة الإحسان ، والخضوع
لأهله مركوزٌ في فطر الناس ، حتي الكافر ، ما أخرجه
البخاري (5/329-333) ، وأحمد (4/324 ، 329 ) وغيرهما من
حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه ، وذكر حديثه في (( صلح
الحديبية )) وفيه :
(( فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثقفي ، فَقَالَ :
أَيْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ ؟ قَالُوا : بَلَى ،
قَالَ : أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ
: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ:
أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ
عُكَاظَ ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ
بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي ؟ قَالُوا : بَلَى
. قَالَ : فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ
رُشْدٍ ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ . قَالُوا :
ائْتِهِ . فَأَتَاهُ ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ
لِبُدَيْلٍ (2) ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ : أَيْ
مُحَمَّدُ ! أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ
قَوْمِكَ ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ
اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ ؟ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى
فَإِنِّي - وَاللَّهِ ! - لا أرَى وُجُوهًا ، وَإِنِّي
لأَرَى أَشَوابًا- وفي رواية : أوباشا - مِنَ النَّاسِ ،
خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ .
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه : امْصُصْ
بِبَظْرِ اللاتِ ، أَنَحْنُ نَفِرُّ وَنَدَعُهُ ؟
فَقَالَ عروة : مَنْ ذَا ؟
قَالُوا : أَبُو بَكْرٍ !
قَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَوْلا يَدٌ
كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ ..
الحديث )) .
و أخرج بعضه : أبو داوود ( 2765) ، والنسائي في ((
الكبرى)) . كما في (( أطراف المزي)) (8/383) . وغيرهما
فانظر – يرحمك الله من مُنصف – قول عروة لأبي بكر ، فما
منعه من الرد عليه وقد بالغ في عيب آلهتهم ، إلا أنه كان
أسير الإحسان المتقدم من أبي بكر له .
وقد ورد في رواية ابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث أن
عروة قال لأبي بكر : (( لولا يد لم أجزك بها ، ولكن هذه
بها )) كأنه قال له : هذه الإساءة منك إلي آلهتنا قد
استوفيت بها جميلك السابق عندي ، فلم يبق لك حسنة تمنعني
من الرد فى قابل إذا أسأت إلىَّ .
وأما من جفاك ، وأساء إليك فما استودع يداً تمنعه من رد
السيئة بمثلها و زيادة ، لذلك كان طليقا لا يوقفه شئ .
وإذ الأمر كذلك ، والوفاء سجيةٌ و خُلُقٌ ، فما إعلم أحد –
بعد والديً – له عليً يد مثل شيخنا الشيخ الإمام ، حسنة
الأيام ، وريحانة بلاد الشام ، أبى عبد الرحمن محمد ناصر
(3) الدين الألبانى ، ألبسه الله حُلل السعادة و كافأه
بالحسني وزيادة ، إذ الإطلاع علي كتبه كان فاتحة الخير
العميم لي ، و أبدأ الحديث أسوقه من أوًلِهِ .
ففي صيف عام (1395هـ) كنت أصلي الجمعة في مسجد ((عين
الحياة)) ، وكان إمام إذ ذاك ، الشيخ عبد الحميد كشك (4)
–حفظه الله تعالي - ، وكان تجار الكتب يعرضون ألواناً شتى
من الكتب الدينية أمام المسجد ، فكنت أطوف عليهم و أنتقي
ما يعجبني عنوانه ، فوقعت عيني يوما علي كتاب عنوانه ((
صفة صلاة النبي صلي الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم
كأنك تراها )) . تأليف محمد ناصر الدين الألبانى . فراقني
اسمه . فتناولته بيدي ، وقلبت صفحاته ، ثم أرجعته إلي
مكانه ، لأنه كان باهظ الثمن لمثلي ، وكان إذ ذاك بثلاثين
قرشا !
و مضيت أتجول بين بائعي الكتب ، فوقفت علي كتاب لطيف الحجم
بعنوان (تلخيص صفة صلاة النبي صلي الله عليه وسلم ))
.ففرحت به فرحة طاغية ، ولم تردد في شرائه وكان ثمنه خمسة
قروش ، ولم أشتري غيره ، لأنه أتي علي كل ما في جيبى ! ومن
فرحتي و إغتباطي به قرأته و أنا أمشى في طريقي إلي مسكني
مع خطورة هذا المسلك علي من يمشي في شوارع القاهرة ، ولما
أويت إلي غرفتي تصفحت الكتاب بإمعان ، فوجدته يدق بعنف ما
ورثته من الصلاة عن آبائي إذ أن كثيرا من هيئتها لا يمت
إلي السنة بصلة ،أ فندمت ندامة الكُسعِيِّ (5) اننى لم
أشتر الأصل ، وظللت أحلم بيوم الجمعة المقبل – و أدبِّر
ثمن الكتاب طوال الأسبوع - ، و أنا خائفٌ وجلٌ أن لا أجده
عند البائع ، و كنت أدعو الله أن يطيل في عمرى حتى أقراه ،
ومَنَّ الله علىَّ بشرائه فلما تصفحته ؛ ألقيت الألواح ،
ولاح لي المصباح ُ من الصباح ! وهزَّنى هزَّا عنيفاً ،
لكنه كان لطيفاً ؛ مقدمته الرائعة الماتعة في وجوب اتباع
السُّنة ، ونبذ ما يخالفها تعظيماً لصاحبها صلي الله عليه
وسلم ، ثُمَّ نقوله الوافيه عن ائمة المسلمين ، إذ تبرأوا
من مخالفة السنة أحياء و أمواتا ، فرضي الله عنهم جميعا ،
و حشرنا وإياهم مع الصادق المصدوق – بأبى هو و أمى – وقد
لفت إنتباهى جدا حواشى الكتاب – مع جهلى التام آنذاك بكتب
السنة المشهورة فضلا عن غيرها من المسانيد والمعاجم
والمشيخات و كتب التواريخ ، بل لقد ظللت فترة فى مطلع
حياتى – لا أدرى طالت أم قصرت – أظن أن البخاريُّ صحابيُّ
، لكثرة ترضى الناس عنه .
وعلى الرغم من عدم فهمى لما فى حواشى الكتاب ، إلا اننى
أحسستُ بفحولة وجزالة لم أعهدها فى كل ما قرأتُهُ ، فملك
الكتاب على حواسىّ ، وصرت فى كلِّ جمعة أبحث عن مؤلفات
الشيخ ناصر الدين الالبانى ، ولم تكن مشهورةً عندنا في ذلك
الوقت ، لكساد الحركة العلمية ، فوقفت بعد شهرٍ تقريبا على
جزء من " سلسلة الأحاديث الضعيفة " – المائة حديث الأولى ،
فاشتريته في الجمعة التى تليها لاتمكن من تدبير ثمنه .
أمَّا هذا الكتاب فكان قاسمة الظهر التى لا شوى لها ! ،
وهو الذى رغَّبنى فى دراسة علوم الحديث .
قلتُ : إنَّ الحركة العلمية كانت هامدةً في ذلك الوقت ،
وكل من تصدَّر لوعظ الناس فهو عندنا عالمٌ ، فما بالك
بأشهر الواعظين عندنا في ذلك الزمان - وهو الشيخ كشك –
الذي كان له بالغ التأثير في الناس بحسن وعظه ، ومتانة
لفظه ، وجرأته في الصدع بالحق ، لم ينجُ منحرفٌ من نقدهِ
مهما كان منصبه، وكان فى صوته – مع جزالته – نبرة حُزن ،
ينتزع بها الدمع من المآقى إنتزاعاً ، حتي من غلاظ الأكباد
و قساة القلوب ، فكان هذا الشيخ العالم الأول والأخير عندي
، لا أجاوز قوله . وقد انتفعت به كثيرا في بداية حياتى ،
كما انتفع به خلقٌ ، لكننى لما طالعت " السلسلة الضعيفة "
وجدت أن كثيراً من الأحاديث التى يحتج بها الشيخ منها ،
حتى خيل إِلىَّ أنه يحضر مادَّة خطبه من هذه " السلسلة " ،
وسبب ذلك فيما أرى أن الشيخ حفظ أحاديثه من كتاب " إحياء
علوم الدين " لأبى حامد الغزالى ، وكان الغزالى – رحمه
الله – مزجى البضاعة فى الحديث ، تام الفقر فى هذا الباب !
فعكَّر علىَّ كتاب الشيخ ما كنت أجدهُ من المتعة في سماع
خطب الشيخ كشك حتى كان يومٌ ، فذكر الشيخ على المنبر حديثا
عن النبى صلي الله عليه وسلم قال : (( إن الله يتجلي يوم
القيامة للناس عامة ، ويتجلي لأبى بكر الصديق خاصة (6) ))
. فلأول مرة أشك فى حديث أسمعه ، وأسأل نفسى : ترى ! هل هو
صحيح أم لا ؟ ومع شكى هذا فقد انفعلت له و تأثرت به بسبب
صراخ الجماهير من حولى ، استحساناً و إعجاباً ! .
ولما رجعت الى منزلى ، قلبت " السلسلة الضعيفة " حديثا
حديثا أبحث عن الحديث الذي ذكره الشيخ كشك فلم أجده فواصلت
بحثي ، فبينما كنت فى بعض المكتبات وقفت على كتاب " المنار
المنيف " لابن القيم – رحمه الله – بتحقيق الشيخ محمد حامد
الفقى – رحمه الله – فوجدتُ الحديث فيه ، وقد حكمَ الإمامُ
عليهِ بالوضع فيما أذكرُ ، فعزمت على إبلاغ الشيخ بذلك
نصيحة لله تعالى ، وقد كان رسخ عندى أن التحذير من هذه
الأحاديث واجبٌ أكيدٌ .
وكان للشيخ جلساتٌ فى مسجده بين المغرب والعشاء ، فذهبتُ
فى وقتٍ مبكرٍ لألحق بالصف الأول حتي أتمكن من لقائه فى
أوائل الناس ، فلما صلينا جلس الشيخُ على كرسيه فى قبلة
المسجد ، وكان له عادة غريبةٌ وهي أنه يمدُّ يده ، فيقفُ
الناس طابوراً طويلاً ، فيصافحونه ، ويقبِّلون يده وجبهته
، و يُسُّر إليه كل واحد بما يريد ، و كنت العاشرَ فى هذا
الطابور ، فقلت في نفسى : وما عاشر عشرة من الشيخ ببعيد !
فلما جاء دوري ، قبَّلتُ يده وجبهته ، وقلت له : إنَّ
الحديث الذى ذكرتموه في الجمعة الماضية – وسميتُه – قال
عنه ابن القيم أنه موضوع .
فقال لى : بل هو صحيح ، فلما أعدت عليه القول ، قال كلاماً
لا أضبطه الأن لكن معناه أن ابن القيم لم يُصِب في حكمه
هذا ، ولم يكن هناك وقت للمجادلة ، لأن من فى الطابور
ينتظرون دورهم !
ومما حزَّ فى نفسى أن الشيخ سألنى عن العلة فى وضع الحديث
فلم يكن عندى جواب ، فقال لى : يابنى ! تعلم قبل أن تعترض
، فمشيت من أمامه مستخذياً ؛ كأنما ديكٌ نقرنى !
وخرجت من مسجد (( عين الحياة )) ولدىَّ من الرغبة في دراسة
علم الحديث ما يجلُّ عن تسطير وصفه بنانى ، ويضيق عطنى ،
ويكُّل عن نعته لسانى ، وكان هذ العلم آنذاك شديد الغربة ،
ولست أبالغ اذا قلت : إنه كان أغرب من فرس بهماء بغلس !!
وطفقت اسأل كل من ألقاه من إخوانى عن أحد من الشيوخ يشرح
هذا العلم ، أو يدلني عليه ، فأشار على بعض إخوانى – وكان
طالبا في كلية الهندسة – أن أحضر مجالس الشيخ محمد نجيب
المطيعى رحمه الله تعالى وكان شيخنا - رحمه الله – يلقى
دروسه فى ( بيت طلبة ماليزيا ) بالقرب من ميدان ( عبده
باشا ) ناحية العباسية ، وكان يشرح أربع كتب ، وهي ( صحيح
البخارى ) و ( المجموع ) للنووى ، و( الاشباه والنظائر )
للسيوطى ، ( إحياء علوم الدين ) للغزالى ، فوجدت في هذه
المجالس ضالتى المنشودة ، ودرتى المفقودة ، فلزمته نحو
أربع سنوات حتى توقفت دروسه بعد الإعتقالات الجماعية التى
أمر بها أنور السادات و أنتهي الامر بمقتله في حادث المنصة
الشهير ، و رحل الشيخ - رحمه الله – إلى السودان ، وظل
هناك حتى توفى - رحمه الله – بالمدينه ودفن فى البقيع كما
قيل لى . رحمه الله تعالي .0
و أتاحت لى هذه المجالس دراسة نبذ كثيرة من علمى أصول
الحديث و أصول الفقه ، و والله ! لا أشطط إذا قلت : إننى
أبصرت بعد العمى لما درست هذين العلمين الجليلين ، و أقرر
هنا أن الجاهل بهذين العلمين لا يكون عالما مهما حفظ من
كتب الفروع ، لأن تقرير الحق في موارد النزاع لا يكون الا
بهما ، فعلم الحديث يصحح لك الدليل ، و علم أصول الفقه
يسدد لك الفهم ، فهما كجناحى الطائر .
ولم يكدر علي متعتي بدروس الشيخ المطيعي رحمه الله إلا حطه
علي الشيخ الالباني صاحب الفضل على بعد الله عز وجل ، وكان
ذلك بعد حادثة طويلة الزيل ملخصها : أن شيخنا المطيعى -
رحمه الله – كان يتكلم عن قضاء الفوائت ، و أن من لم يصل
ولو لسنوات ، فيجب عليه القضاء ، و أطال البحث في ذلك .
فقلت له – ولم يكن عندي علم بمن يقول بغير هذا المذهب من
القدماء – قلت : إن الشيخ الألبانى يقول : ليس هناك دليل
على وجوب القضاء . فقال لى بلهجة . علمت بعد ذلك بزمانٍ
انه كان يقولها تهكماً : من الألباني ؟ فقلت له : أحد
علماء الحديث .
قال : لعله أحد أصحابنا الشافعية ؟
قلت : لا أدري ، لكنه معاصر لنا ، وقد علمت انه لا يزال
حيا .
فقال لي حينئذٍ : دعك من المعاصرين .
وكانت هذه أول مرة أسمعه يتكلم عن الألباني ، ثمَّ توالي
السيلُ .
ثم جاء الشيخ الألباني الى مصر فى حدود سنه ( 1396هـ) أو
بعدها بقليل ، وألقى محاضرة في المركز العام لجماعة أنصار
السنة في عابدين ، وكانت محاضرته عن تخصيص السنة لعام
القرآن ، وتقيدها لمطلقه ، وذكر من أمثلة ذلك الذهب
المحلَّق .
ولم يكن عندي علم بمحاضرة الشيخ ولا وجوده ، فرحل ولم أره
، وكان إحدى أمانىَّ الكبار أن ألتقى به ، ولم يتحقق لى
ذلك إلاَّ بعد زمان طويل وذلك فى أول المحرم سنة (1407 هـ)
وكان قد طبع لى بعض الكتب منها " فصل الخطاب بنقد المغنى
عن الحفظ والكتاب " و كنت فى هذه الفترة أتتبع كل أخبار
الشيخ فكانت تصلنى أخبارٌ عن شدته على الطلبة وقسوته
عليهم، و اعتذاره عن التدريس بسبب ضيق الوقت و ارهاق
الدوله له ، فكدتُ أفقدُ الأملُ حتى قيَّض الله لى أن
ألتقي بصهر الشيخ – الأخ نظام سكجّها – فى فندق بحيّ
الحسين بالقاهرة ، فسألتُه عن الشيخ و إمكان التتلمُذ عليه
، فأخبرنى أن ذلك متعذرٌ ، ولكن تعال وجرِّبْ !
فكان من خبرى أن سطَّرتُ رسالة للشيخ قلتُ له فيها : إننى
علمتُ أنكم تطردون الطلبة عن بابكم ، ولدىَّ أكثر من مائتى
سؤال فى علل الأحاديث ومعانيها ، ولا أقنع إلاَّ بجوابكم
دون غيركم ، فسأجمع همتى و أسافر إليكم فلا تطردونا عن
بابكم ، أو كلاماًَ نحو هذا .
و أخبرنى الأخ نظامٌ بعد ذلك أن الشيخ تألمَّ لما قرأ
حكاية " الطرد " هذه .
وسافرت إلى الشيخ فى أول المحرم سنة (1407 هـ) ، و
استخرجتُ تصريح العمل الذي يُخوِّل لى السفر بأعجوبةٍ
عجيبةٍ ، و أُمضيت ثلاثة أيامٍ فى الطريق كان هوانى فيها
شديداً ، ومع ذلك لم أكترث له ، لما كان يحدوني من الأمل
الكبير في لقاء الشيخ .
ولما نزلت عمَّان استقبلنى الأخ الكريم أبو الفداء سمير
الزهيري جزاه الله خيرا، إذ أعانني في غربتى ، و آوانى فى
داره ، و بعد الوصل بقليلٍ ، كلَّمنا الشيخ بالهاتف ،
فرحَّب بى غاية الترحيب ، وقال لى : حللت أهلاً ونزلت
سهلاً ، ولم أصدق أذنى ! ، فأنا ذاهبٌ اليه وقد هيأت نفسى
تماماً على الرضا بالطرد ، إذا فعل الشيخ ذلك .
وقد بدأنى بالسلام ، فرددتُ عليه السلام بمثل ما قال .
فقال لى : ما أحسنت الردَّ ! فقلتُ : لما يا شيخنا ؟
فقال لى : إجعل هذا بحثاً بينى وبينك إذا التقينا غداً !
و ظللتُ ليلتى أُُفكر فى هذا الأمر ؛ ترى : ما وجهُ إساءتى
الردَّ ، حتى خمنت أن الرادَّ ينبغى له أن يزيد شيئاً في
ردِّه نحو : (( و عفوه ، ورضوانه )) ولم أكن وقفتُ على
الحديث الذى قوى الشيخ فيه زيادة (( ومغفرته )) في الرد .
وكان الشيخ يصلى الغداة فى (( مسجد الفالوجا )) بجوار منزل
أبى الفداء ، ولم أذق طعم النوم ليلتى بسبب تأمُّلى
المسألة التي طرحها الشيخ ، و لم تكتحل عينى بنومٍ إلاَّ
قبيل الفجر ، وراح علىَّ بسبب ذلك لقاء الفجر مع الشيخ ،
وكلمناه فى الصباح ، فأعطانا موعداً عقب صلاة العشاء في
منزل أبى الفداء .
وكان لقاءً حاراًّ ، بدأنى الشيخ بالعناق ، لأننى لا يمكن
أن أبدأه بذلك هيبةً له ، وكان معنا في هذا اللقاء الأخ
الفاضل أبو الحارث على الحلبى حفظه الله ، وجلسنا نحو
ساعةٍ ونصف الساعة نسألُ ، والشيخ يجيبُ ، فلما تصرمت
الجلسة ، وخرجنا من الدار ، إنتحيتُ بالشيخ جانباً ،
وشرحتُ له باختصارٍ ما كابدتهُ فى السفر إليه ، ولم يخرجنى
من بلدى إلاَّ طلبُ العلم ، فلو أذن لى الشيخ أن أخدمه
وأساعده لأتمكن من ملازمته ، فشكرنى و اعتذر لى ، نظراً
لضيق وقته . فقلت له : أعطنى ساعة كل يوم أسألك فيها .
فاعتذر
فقلت له : أعطنى ما يسمح به وقتك ولو كان قصيراً ، فاعتذر
!
فأحسست برغبة حارَّة ٍفى البكاء ، وتمالكت نفسى بعناء
بالغٍ ، و أطرقتُ قليلاً ثم قلت للشيخ : قد علم الله أنه
لم يكن لى مأربٌ قطُّ إلاَّ لقاؤكم و الإستفادةُ منكم ،
فإن كنتُ أخلصتُ نيتى فسيفتح الله لى ، وانْ كانت الأخرى ؛
فحسبى عقاباً عاجلاً أن ارجع إلى بلدى بخفى حنين !
وانا سأدعو الله أن يفتح قلبك لى .
ولست أنسى هذا الموقف ما حييت .
ثم التقيت بالشيخ فى صلاة الغداة من اليوم التالى ، فقبلتُ
يده – وهذا دأبى معه – فقال لي : لعلَّ الله استجاب دعاءك
؛ وكان فاتحة الخير . وكنت أكاد وقن أن الله سيستجيبُ لى ،
وأن الشيخ سيقبلنى عنده ، لا سيما بعد أن قابلت الأستاذ
أحمد عطية – وكان من معظمى الشيخ قبلُ - ، فاستضافنى فى
داره وقال لى : لما طبع كتابك (( فصل الخطاب بنقد المغنى
عن الحفظ والكتاب )) اشتريت منه نسخة وقرأته فأعجبنى أنه
على طريقة الشيخ ، وكان الشيخ يقول : ليس لى تلاميذ – يعنى
على طريقته فى التخريج والنقد – قال : فأرسلت هذا الكتاب
الى الشيخ وقلت له : وجدنا لك تلميذا ، وراجعتُ الشيخ بعد
ثلاثة أيام فقال : نعم .
قلت : لمَّا قصَّ علىَّ الأستاذ أحمد عطية هذه الحكاية
ضاعف من أملى أن يقبلنى الشيخ عنده .
ووالله ! لقد عاينت من لطف الشيخ بى ، وتواضعه معى شيئا
عظيما ، حتى أنه قال لى يوماً : صحَّ لك ما لم يصحُّ لغيرك
، فحمدت الله عز وجل على جسيم منته ، وبالغ فضله ونعمته .
فمن ذلك أننى كلما التقيتُ به قبلت يده ، فكان ينزعها
بشدَّة ، ويأبى علىَّ ، فلما أكثر قلتُ له : قد تلقينا
منكم فى بعض أبحاثكم فى " الصحيحة " أن تقبيل يد العالم
جائز .
فقال لى : هل رأيت بعينيك عالماً قطُّ ؟
قلت : نعم ، أرى الآن .
فقال : إنما أنا " طويلبُ علمٍ " ، إنما مثلى ومثلكم كقول
القائل :
إن البُغَاثَ بِأَرْضنَا يَسْتَنْسِرُ !
وبدأت جلساتى مع الشيخ بعد كل صلاة غداةٍ فى سيارته ،
ولمدة ساعة ، ثم زادت المدة حتى وصلت الى ثلاث ساعات .
واستمر هذا الأمر ، حتى جاء يومٌ ولم يُصلِّ الشيخ معنا
صلاة الغداة ، فحزنت لذلك لضياع هذا اليوم علىَّ بلا
استفادة ، واستشرت من أثق برأيه من إخوانى : هل أذهب الى
الشيخ فى بيته أم لا ؟
فكان إجماعهم أن لا أذهب ، لأنك لا تعلم ما ينتظرك هناك ،
ولا يذهب أحد الى الشيخ فى بيته إلَّا بموعدٍ سابقٍ ،
فلربما ردَّك ، فلا يكون بك لائقًا ، لا سيما بعد المكانة
التى صارت لك عند الشيخ .
وتهيبتُ الذهاب ، ولكن قوى من عزمى أمران :
الأول : أن رفيقى آنذاك والذى كان يصحبنى بسيارته الأخ
الفاضل الباذل أبو حمزة القيسى جزاه الله خيراً – قد أيدنى
فى الذهاب .
الثانى : أننى استحضرت قصةً لابن حبان مع شيخه ابن خزيمة
ذكرها ياقوتُ بسنده إلى أبى حامد أحمد بن محمد بن سعيد
النيسابورى قال : كنا مع أبى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة
فى بعض الطريق من نيسابور ، وكان معنا أبو حاتم البُستى ،
وكان يسألُه ويؤذيه ، فقال له محمد بن إسحاق بن خزيمة : يا
بارد ! تنحَّ عنى ولا تؤذينى ! أو كلمة نحوها ، فكتب أبو
حاتم مقالته ، فقيل له : تكتب هذا ؟ قال : أكتب كل شىء
يقوله الشيخ )) ا هـ .
فقلتُ فى نفسى : ومالى لا أفعل مثلما فعل ابن حبان ؟ وحتى
لو قال لى الشيخ مقالة ابن خزيمة لعددتها من فوائد ذلك
اليوم .
وانطلقنا اليه ، وكان من أفضل أيامى التى أمضيتُها فى هذه
الرحلة ، فقد استقبلنى الشيخ استقبالا كريما ، وأمضيت معه
أكثر من ساعتين ، وكان
يخدمُنا بنفسه ، ويأتينا بالطعام يضعه أمامنا ، فكلما هممت
أن أساعده أبى علىَّ ، ويشيُر أن أجلس ، ويقول : ((
الإمتثالُ هو الأدبُ بل خيرٌ من الأدبِ ))
ويعنى به : أن الإمتثال لرغبته فى الجلوس خير من سلوكى
الذى أظنُّه أدباً ، لأن طاعتى له هى الأدب . وكان يوماً
حافلا قص على الشيخ فيه ما جرى بينه وبين الشيخ محمد نسيب
(7) الرفاعى حفظه الله .
ولا يفوتنى أن أقول : كنت قابلت الشيخ نسيب الرفاعى بصحبة
الأستاذ أحمد عطية المتقدم ذكره فى بيته بحى الهاشمى فى
عمان البلقاء ، ولقلما رأت عيناى مثله فى تواضعه وأدبه
وحسن خلقه ، وكان معظم كلامه عن الشيخ الألبانى ، وبرغم
تقاربهما فى السن الا أنه كان يبالغ فى تعظيم الشيخ ، وقال
لى : أنا مدينٌ بالفضل لرجلين : الأول : ابن تيمية ،
والثانى : الألبانى .
وقال لى : لقد تآزرنا فى نشر الدعوة السلفية فى سوريا ،
وكان الشيخ يزورنا فى حلب ، فدخلت على ابنتى " عائشة "
وكانت صغيرة ، فقال لى الشيخُ : لو كانت كبيرة لتزوجتها
وكنت منى بمنزلة أبى بكر من محمدٍ صلى الله عليه وسلم ،
فانظر ما كان بينى وبينه من الآصرة .
وقرأ علينا أبو غزوان مقدمته لكتابه : (( التوصل الى حقيقة
التوسل )) وقصَّ علىَّ أشياء ذكرتها فى (( طليعة الثمر
الدانى فى الذب عن الألبانى )) . وهو القسم الخاص بترجمة
الشيخ الألبانى حفظه الله تعالى .
وقد أمضيت نحو شهر فى هذه الرحلة ، ولما علم الشيخ بموعد
سفرى دعانى على الغداء عنده فى يوم الرحيل ، وسألنى عن حال
السلفيين فى مصر ، وسألته عن الطريقة المثلى لنشرة الدعوة
، وكيف نواجة المخالفين لنا ، وكان يوما حافلا أمضيته مع (
عميد السلفيين ) فى العالم الإسلامى حفظه الله وبارك فى
عمره0
--------------------------------------
(1) اقتباس من كلام الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي
رحمه الله ورضي عنه في مقدمته لكتابه ( الرسالة ) تحقيق
المحدث النبيل أبي الأشبال أحمد شاكر رحمه الله .
(2) قال النبي صلي الله عليه وسلم لبديل بن ورقاء الخزاعي
: ((إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّا
جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ
نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ ، فَإِنْ
شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي
وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ
يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلا
فَقَدْ جَمُّوا ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا ، فَوَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا
حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي ، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ
أَمْرَهُ )) فَقَالَ بُدَيْلٌ : سَأُبَلِّغُهُمْ مَا
تَقُولُ .
(3) توفي شيخنا رحمه الله و رضي عنه يوم السبت 22 / جمادي
الآخرة / 1420 هـ الموافق 2/ 10/1999 بعد عصر هذا اليوم ،
فاللهم ارض عنه و اغفر له و ارحمه كفاء ما قدَّم للمسلمين
من تقريب السنة والذب عنها .
(4) ثم ثوفي الشيخ رحمه الله في رجب ( 1417هـ) اللهم اغفر
له و ارحمه ، وارض عنه كفاء ما نافح عن دينك ، وما جاهر
بكلمة الحق .
(5) و في " لسان العرب " ( 4/3876 ) قال : " والكسعي الذى
يضرب به المثل في الندامة ، وهو رجل رام رمي بعد ما أسدف
الليل عيرا فأصابه ، و ظن أنه أخطأه فكسر قوسه ، وقيل :
وقطع أصبعه ثم ندم من الغد حين نظر إلي العير مقتولا وسهمه
فيه ، فصار مثلا لكل نادم علي فعل يفعله ، و اياه عني
الفرزدق لما قال:
ندمت ندامة الكسعى لما غدت مني مطلقة نوار
وقول الآخر :
ندمت ندامة الكسعى لما رأت عيناه ما فعلت يداه "
وذكر ابن منظور سببا آخر
(6) وهو حديث باطل كما حققته عند الرقم ( 1529 ) من هذا
الكتاب والحمد لله
(7) ثم توفى رحمه الله يوم الأربعاء الرابع عشر جمادى
الآخرة سنة ( 1412هـ) فاللهم ارض عنه وتقبله
موقع الشيخ:
http://www.alheweny.com/index2/index.htm
نقلها أبو عمر
المنهجي - شبكة الدفاع عن السنة
|